وعلى أيّ حائط يبكون
وفي اليوم الثامن من شهر كانون الأول من عام 1918، وبعد أربعمائة عام من الحكم العثماني، أرسل الحاكم التركي، عزت بك، آخر متصرف على بيت المقدس، كتابا باللغة التركية إلى "القيادة الإنجليزية" يقول فيه ما ترجمته باللغة العربية:
"ومنذ يومين والقنابل تتساقط على القدس الشريف، المقدسة لدى كل ملة، فالحكومات العثمانية رغبة منها في المحافظة على الأماكن الدينية من الخراب قد سحبت القوة العسكرية من المدينة، وأقامت موظفين للمحافظة على الأماكن الدينية كالقيامة والمسجد الأقصى، وعلى أمل أن تكون المعاملة من قبلكم على هذا الوجه، فإني أبعث بهذه الورقة مع وكيل رئيس البلدية القدس حسين بك الحسيني.
التوقيع: متصرف القدس المستقل: عزت
وكلمة "المستقل" في توقيع المتصرف، تبدو اليوم حزينة، فقد كان معناها حسب التقسيمات الإدارية في الدول العثمانية، أن بيت المقدس، تكريما لمقامها الرفيع، لم تكن تابعة لأية ولاية من الولايات التركية. ولكنها كانت "متصرفية مستقلة" تتبع مباشرة العاصمة استانبول، أو دار الخلافة حسب لقبها الإسلامي.
وفي ذلك اليوم المطير خرج وكيل رئيس البلدية حسين بك الحسيني ومعه عدد من وجهاء بيت المقدس، يحملون العلم الأبيض إلى ضاحية المدينة، حيث وصل الجيش البريطاني، ليسلموا بيت المقدس إلى القيادة البريطانية.
وفي 11/12/1918, دخل الجنرال اللنبي إلى بيت المقدس، وأقيم احتفال كبير في الساحة المجاورة لباب الخليل، قبالة درج القلعة، ونصبت أعلام الدول المتحالفة، بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، وحضر الحفل وجهاء المدينة يتقدمهم مفتي القدس وبطاركة المسيحيين وحاخام اليهود. وألقى الجنرال اللنبي كلمة موجزة، لم يكن فيها أي ذكر للوعود التي بذلها الحلفاء للعرب بالحرية والاستقلال.
وقبل أن ينتهي الجنرال اللنبي من إلقاء خطابه، انسحب مفتي القدس الشيخ كامل الحسيني، وانسحب وراءه عدد كبير من الأهلين.
تولى موسى كاظم باشا الحسيني قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية من أوائل الاحتلال البريطاني إلى حين وفاته رحمه الله.
وكان موسى كاظم باشا، محدود العلم، وافر الخبرة والإخلاص، وعلى جانب عظيم من الخلق الرضي ، وما أروع قيمته القومية في هذا الأيام!
سأل صحفي الزعيم الفلسطيني موسى كاظم باشا: لماذا استقلت من رياسة بلدية القدس في أوائل الاحتلال البريطاني، قال : بلهجة قدسية: القضايا الوطنية لا مساومة عليها. هذه البلاد بلادنا. واللغة العربية لغتنا وأنا لا أقبل أن تكون اللغة العبرية لغة رسمية في البلاد. تصور أن اللغة العبرية أصبحت تكتب على طوابع البريد. أنا لا يمكن أن أقبل هذا الوضع. أنا أعرف اليهود جيدا. لقد كنت قائممقاما في يافا في زمن الأتراك. وكنا نذهب إلى تل أبيب، قرية صغيرة، وأهلها جماعة بسطاء. أما اليوم فإن الإنجليز يريدون أن يركبوهم على أكتافنا. وأن يجعلوا لغتهم سارية في معاملاتهم البلدية. أنا لا يمكن أن اقبل هذا الوضع.طلبت من المندوب السامي أن يلغي هذا الأمر ولكنه رفض. ولهذا قدمت استقالتي من رياسة البلدية احتجاجا.
وقد اتخذ الشيخ الجليل كاظم الحسيني ذلك الموقف الشجاع حين كان الوطن العربي من أقصاه إلى أدناه محتلا. وحين كانت الأمة العربية تحت السيطرة الكاملة. واليوم، والأمة العربية، عشرون دولة، وجيشا، وعشرات من آبار البترول، لا يجد الملوك والرؤساء عاراً أن يعترفوا لا باللغة العبرية فحسب بل بالدولة اليهودية التي تقوم على وطن الآباء والأجداد!!
ولكن حكاية اللغة العبرية كانت هي الخطوة الرمزية الأولى نحو تهويد القدس وإخراجها من السيادة العربية. ذلك أن تعيين السير هربرت صموئيل، اليهودي الصهيوني أول حاكم على فلسطين، في تموز سنة 1920 وأن يكون مقره الرسمي في بيت المقدس، كان الخطوة العملية الأولى لبسطه السيطرة اليهودية على بيت المقدس.
و صموئيل هذا، لم يكد يمضي على تعيينه شهر واحد، حتى حضر عيدا دينينا لليهود في الكنيس، وقام بنفسه بأداء بعض الطقوس الدينية، وقرأ فصلا من كتاب "النبي أشعيا" فيه ضراعة وابتهالات لخلاص بيت المقدس. يعني خلاصها من أيدي العرب أصحابها الشرعيين!!
بل إن الدكتور وايزمن نفسه قد كشف عن أهمية الدور الذي لعبه هربرت صموئيل، حين قال: "أنا المسؤول عن تعيين هربرت صموئيل في فلسطين. إن صموئيل هذا هو صموئيلنا" ولهذا يمكن القول أن صموئيل هو رئيس إسرائيل الأول في تموز سنة 1920، وأن وايزمن هو رئيسها الثاني في عام 1948.
وقد ركز هربت صموئيل جهده الأكبر على تهجير اليهود إلى بيت المقدس، وإقامة الأحياء اليهودية خارج المدينة، تمهيدا للسيطرة عليها عاجلا أو آجلا.
ولم يكن اليهود يخفون نواياهم بالنسبة إلى بيت المقدس، فقد كانت الصحافة العبرية تنشر تصريحات زعمائهم الدينيين والسياسيين في أن "أورشليم هي عاصمتهم المرتقبة" ومعروف أن تحيات اليهود في أعيادهم حيث كانوا في العالم "العام القادم في أورشليم"…ومع كل يهودي يهاجر إلى بيت المقدس كان يقترب العام القادم من موعده القادم!
وقد انعقد المؤتمر الصهيوني في آب 1928 في مدينة زيوريخ بسويسرا وأصدرت قراراته المعروفة بالتوسع في الهجرة اليهودية ، وشراء الأراضي ، وإنشاء المؤسسات اليهودية ، والمطالبة "بالحقوق" الدينية في الأماكن اليهودية المقدسة.
وكان "حائط المبكى " هو الشعار والمطلب …فقد انطلق زعماء اليهود يؤكدون "حقهم المطلق" في حائط المبكى باعتباره "الأثر الباقي من هيكل سليمان"، وحدث أن توافد جماعة من الشباب اليهود على المدينة القديمة واخترقوا شوارعها وهم ينشدون، ووصلوا إلى حائط المبكى ورفعوا عليه العلم اليهودي، وهم يهتفون "الحائط حائطنا".
وكان هذا الحادث أشبه بشرارة البلقان، فلم يكد يسمع أهل بيت المقدس بهذا العدوان، حتى هبوا للتصدي لليهود فطردوهم من الحي ومزقوا علمهم.
وما أن تسربت الأخبار من بيت المقدس حتى نشبت الثورة الدامية في كل أنحاء فلسطين، ونزلت باليهود خسائر فادحة في الأرواح والأموال، وتدخلت القوات البريطانية لحماية المستعمرات والأحياء اليهودية. واستدعى المندوب السامي البريطاني قوات عسكرية إضافية من مصر للسيطرة على الموقف.
وفي اليوم الأخير في شهر آب 1929-حينما كان الناس تؤدي صلاة الجمعة في المسجد الأقصى، وأسراب الطائرات البريطانية تحلق في ساحة الحرم الشريف…وخطيب المسجد يعيد ويكرر في خطابه "اللهم فرق جمعهم، اللهم دمر بأسهم، …اللهم…." وجماهير المصلين من ورائه يجيبون "آمين آمين يا رب العالمين".
وكان أول ما فعلته الحكومة البريطانية، بناء على توصية عصبة الأمم في جنيف، أن ألفت لجنة دولية للتحقيق في النـزاع القائم بشأن حائط المبكى، وقد تم تشكيلها في ربيع 1930، من ثلاثة من كبار رجال السياسة والقضاء، سويدي, وسويسري، وهولندي.
وتطوع عدد كبير من الشخصيات الإسلامية والعربية للدفاع عن الحق العربي في حائط المبكى، وكان المحامي الأستاذ عوني عبد الهادي، ومعه عدد من المحامين الفلسطينيين، مسؤولا عن إعداد الدراسات القانونية والتاريخية في الموضوع.
والواقع أن اللجنة الدولية كانت حيادية، متلهفة على معرفة الحقائق التاريخية، وقد انبرت شخصيات إسلامية للدفاع عن الحق العربي في حائط المبكى باعتبار أنه جزء لا يتجزأ من جدار المسجد الأقصى، وكانت للسيد أمين الحسيني رئيس المجلس الإسلامي الأعلى جهود نشطة مخلصة في هذا السبيل.
وقد دهشت لجنة التحقيق للوقائع الغريبة المثيرة التي كشفت عنها مذكراتنا، أننا ورفاقي الدارسين والباحثين ومنها:
أن التسامح الإسلامي مع اليهود باعتبارهم أهل ذمة، هو الذي سمح لليهود بزيارة حائط المبكى بقصد العبادة العادية الهادئة من غير صخب ولا ضجيج.
وإن الدولة العثمانية، حينما أراد اليهود التوسع في استعمال حق الزيارة، اشترطت عليهم "أن لا يرفعوا أصواتهم أو أن ينفخوا في البوق" أو أن يدخلوا أي تعديل أول تبديل على الحائط أو المساس به بأي شكل من الأشكال.
وإنه، في عام 1839، طلب القنصل البريطاني من ابراهيم باشا، بوصفه يومئذ حاكما على فلسطين، السماح لأحد أغنياء اليهود الإنجليز "بتبليط ساحة المبكى"، وكان جواب محمد علي باشا على الطلب أن "المحل المراد تبليطه هو ملاصق إلى حائط الحرم الشريف والى محل ربط البراق، ولا يجوز لليهود شرعا تبليطه، كما لا يجوز لهم رفع الأصوات وإظهار المقالات، وتعطى لهم الرخصة بزياراتهم على الوجه القديم".
وأنه، في عام 1911، حاول اليهود أن يخالفوا "الستاتيكو" المعروف في زيارة حائط المبكى" فوضعوا الكراسي ونصبوا المظلات ونفخوا الأبواق ووضعوا كتب الصلاة على طاولات" ولكن الدولة العثمانية منعتهم عن ذلك منعا باتا.
وإن اليهود بصورة عامة، ليست لهم حقوق دينية ثابتة في بيت المقدس، فإن هيكل سليمان قد دمر مرتين بصورة كاملة، ومضى على تدميره ما لا يقل عن ألفي عام. وإن سيرة السيد المسيح مع الهيكل تدل أنه كان محل صرافة لا محل عبادة.
وأنه، لم يكن لليهود، قبل القرن الثامن عشر، كنيس واحد في بيت المقدس، وأن أقدم كنيس لهم، وهو "قدس الأقداس" قد بني في عام 1701.
وأنه رغما من إدعاء اليهود بأنهم من نسل داود عليه السلام، فإن مقام النبي داود في بيت المقدس هو من الأماكن الإسلامية الشهيرة. وفيه ضريح النبي داود ويلاصقه مسجدان قديمان، وكل ذلك مرتبط بسدانة العائلة الداودية المعروفة، ولم ينازعهم اليهود في هذا الحق.
وأنه، حتى الحي المعروف بحي اليهود في المدينة القديمة، هو من الأملاك الإسلامية، وهو من الأوقاف الذرية التي يعود ريعها إلى العائلات الإسلامية في القدس: آل النمري، والجاعوني، والخالدي، والحسيني والنشاشيبي ، والعلمي ، والداودي والبديري, والموقت، والقطب، وغيرهم كثيرون.
وأنه حتى المقبرة التي يدفن اليهود فيها موتاهم، الواقعة على طريق القدس أريحا، هي من أملاك الوقف الإسلامي، وأن ممثل الطائفة اليهودية قد دفع لأصحاب الوقف مائتي دينار ذهبا لقاء استعمال الطائفة اليهودية أرض الوقف لدفن موتاهم عن سنتي 968، 969 للهجرة (1560). كما هو ثابت في سجلات المحكمة الشرعية.
وأنه مما يثبت، استنادا إلى المراجع والوثائق التاريخية، من عربية وإفرنجية، أن كل ما يمارسه اليهود في بيت المقدس من العبادة والزيارة والسكنى ودفن الموتى هو بسماح من المسلمين. إنه مجرد رخصة.
وبعد أن فرغت لجنة التحقيق الدولية من عملها، رفعت تقريرها إلى بريطانيا وإلى عصبة الامم . مما حدا بالدولة المنتدب
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ